السيد محمدمهدي بحر العلوم
329
مصابيح الأحكام
الشارع ولم يعلم تجدّد الوضع بعده ، ولفظ « الوجوب » من هذا القبيل ، وكذا « السنّة » . ولو حصل التردّد في الخطابات النبويّة فلا ريب في ثبوت الوضع في زمان الأئمّة عليهم السلام ، فإنّه من زمان المتشرّعة ، وقد تقرّرت فيه الاصطلاحات من العامّة والخاصّة ، وكان بدوّ الخلاف في الحقيقة الشرعيّة من ذلك الوقت ، كما يشهد به كتب الأُصول حيث نسب الخلاف فيها إلى كثير من القدماء ، ولو نوزع في « الوجوب » و « السنّة » لأمكن النزاع في « التحريم » و « الندب » و « التطوّع » و « النفل » ، ونحو ذلك ؛ فإنّ الطريق في جميعها واحد ، مع أنّهم لا يرتابون في كثير من تلك الألفاظ . نعم ، قد يستعمل كلّ منها في خلاف معناه الحقيقي لداعٍ أو صارف ، كما هو الشأن في جميع الحقائق ، فإنّ استعمالها في المعاني المجازيّة أكثر من أن تحصى حتّى قيل : إنّ أكثر اللغة المجازات « 1 » . قال الشيخ بعد الاستدلال بأحاديث الوجوب على الندب : « فإن قيل : كيف تستدلّون بهذه الأخبار وهي تتضمّن أنّ غسل الجمعة واجب ، وعندكم أنّه سنّة ليس بفريضة ؟ قلنا : ما تتضمّن هذه الأخبار من لفظ الوجوب فالمراد به أنّ الأولى فعله ، وقد يسمّى الشيء واجباً إذا كان الأولى فعله » « 2 » . ثمّ استدلّ على ذلك بصحيحتي زرارة ، وعليّ بن يقطين ، وغيرهما ممّا يدلّ على الندب « 3 » ، ومقتضاه الاعتراف بكون الوجوب ظاهراً في المعنى المعروف ، وإن صرف عنه صارف في هذه الروايات .
--> ( 1 ) . نسبه في مدارك الأحكام 1 : 71 ، إلى بعض محقّقي أهل اللغة ، وعدّه الوحيد البهبهاني من المسلّمات في مصابيح الظلام 5 : 534 . ( 2 ) . التهذيب 1 : 117 ، باب الأغسال المفترضات والمسنونات ، ذيل الحديث 26 / 294 . وفيه : « فالمراد به أنّ الأولى على الإنسان أن يفعله » . ( 3 ) . وقد تقدّم ذكرها في الصفحة 310 و 311 .